الحث على أداء الأمانة بين المدرس والطالب عند الاختبار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

بـســم الله الـــرحـمــن الرحيـــــم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ لله أحمده وأشكره ، وأتوب إليه سبحانه وأستغفره ، يقضي

بالحق، وأمَر بالعدل وهو السميع البصير، وأشهدُ أن لا إله إلا الله

وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ،

وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسـوله الذي قام بعبادة الله ونصحَ لعباد

الله وبلَّغ البلاغ المبين ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله

وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :

أيها المسلمون فقد قال الله تعالى في محكم كتابه { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ

أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْـنَ النَّــــاسِ أَن تَحْكُمُواْ

بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } يسمــع

ما تقولون ويُبصر مــا تفعلون ، فإياكم أن لا تؤدّوا الأمانات إلــى

أهلها وإياكم أن لا تحكموا بالعدل إذا حكمتــم بيـــن النــاس ؛ لأن

{ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } ، وقـال جلَّ ذكره { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ

عَلَى السَّمَـــاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَــــالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ

مِنْهَا } أي: خِفْنَ منها {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}

فسبحان الله ! ما أظلم الإنسان وما أجهله ، تُعرض الأمانات عـلى

السماوات والأرض والجبال وخلْق السماوات والأرض أكبـر مـــن

خلق الناس والسماوات والأرض أعظم تحمّلاً مـن الناس فيمتنعْنَ

عن حملها ثم يقوم الإنسان الضعيف فيتحمّلها ؛ وذلك بِمــا وهبه

الله – عزَّ وجل – مــن عقل وما أعطاه من إرادة وتصرّف ، فبعقل

الإنســان وإرادته كـــان أهـلاً لتحمّل الأمانة التــي أشفقت منهـــا

السماوات والأرض والجبال ، اسمعوا إلى قـول الله تعــالى { وَإِذْ

أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا} واسمعوا إلى قول الله تعالى{ فَأَقِمْ

وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ

لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } .

أيهـــا المسلمـون ، إن الأمانة مسؤولية عظيمة ، إنها عبء ثقيل

إلا على مَـن خفَّفَه الله عليه ، إنها التزام الإنسان بالقيام بحق الله

وعبادته عــلى الوجه الذي شرعه مخــلصًا لــه الدين متّبعًا لخاتم

النبيين محمـد صلى الله عليه وسلم ، وإن كانــت الأمانة كــذلك :

التزام بالقيام بحقوق الناس من غير تقصير ، تعاملهم كمـا تحب

أن يعاملوك به، تقوم بحقوقهم كما تحب أن يقوموا بحقوقك، هذا

هــــو العدل ، خذ ما لك وأعطِ ما عليك أما أن تأخذ ما لك وتمنع

ما عليك فإن هذا هو الظلم و { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ

عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }

أيهـا الإخوة ، إننا تحمّلنا الأمانة وحملناها على عواتقنا والتزمنا

بمسؤوليتها وسنُسأل عنها يوم القيامة ، فيا ليت شعري
ما هو الجواب

إذا سئلنا في ذلك اليوم العظيم ! نسأل الله لنا ولكم

تثبيتًا وصوابًا .

أيهــا المسلمون ، إن الله تعالى أمرنا أن نؤدي الأمانات إلى أهلها

وأمرنا إذا حَكَمْنا بين الناس أن نحكم بالعدل وهذان أمران لا تقوم

الأمانة إلا بهمــا : أداء الأمانات إلـى أهلها والحكم بيــن النـــاس

بالعدل ، وإننـا الآن على أبواب اختبارات الطلبة من ذكور وإناث

وإن الاختبارات أمانة وحكم ؛ إن الاختبارات أمانة حين وضع

الأسئلة ، أمانة حين المراقبة ، وحكم حين التصحيح .

أمانة حيـن وضع الأسئلة : فيجب عــلى واضع الأسئلة مراعاتها

بحيــث تكــون عـلى مستوى الطلبة المستوى الذي يَبِين به مدى

تحصيل الطالب في عام دراسته بحيث لا تكون الأسئلة سهلة

لا تكشف عن تحصيل ولا تكون صعبة تؤدي إلى التعجيز .

والاختبارات أمــانة حيـــن المراقبة : فعلى المراقب أن يراعي تلك

الأمانة التي ائتمنته عليهـا إدارة المدرسة ومـــن ورائها وزارة أو

رئاسة وفوق ذلك دولة بل ائتمنه عــلى ذلك المجتمع كلــه ، فعلى

المراقب أن يكون مستعينًا بالله يقظًا فـي رقابته، مستعملاً حواسه

السمعية والبصرية والفكرية، يسمع وينظر ويستنتج مـن الملامح

والإشارات ، وعلى المراقب – أعني : مراقب الطلبة – فــــي حــال

الامتحان أن يكون قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم، عليـه أن يمنع

أي طالب من الغش أو محاولة غش؛ وذلك لأن تمكين الطالب من

الغش خيانة ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

أنـه قـال ( من غشنا فليس منا ) (1) فتبرّأ النبي صلى الله عليه

وعــلى آله وسلم مِمّن غشَّ ، قال : إنه ليس من المسلمين ؛ لأن

المسلمين كــل شأنهم نصح وليس فيه غش ، وإن تمكين الطالب

مـن الغش ظلم لزملائه الحريصين على العلم المجدِّين في طلبه ،

الذين يرون من العيب أن ينالوا درجة النجاح بالطرق الملتوية .

إن المراقب إذا مكَّــــن أحــدًا مـن هــؤلاء المهملين الفاشلين فـــي

دراستهم مــن الغش فأخذ درجة نجاح يتقدّم بهـا عـلى الحريصين

المجدِّين كان ذلك ظلمًا لهم ولا شك ، كـــان ذلك ظلمًا لهم ؛ أي :

ظلمًا للمجدِّين الحريصين وكــــان كذلك ظلمًا للطالب الغاش ؛ لأن

النبي صــلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ( انصر أخاك ظالما أو

مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا

كــان ظالما كيف أنصره قال تحجزه أو تمنعه مــن الظلم فإن ذلك

نصره ) (2) وإن الطالب الغاش هو في الحقيقة مغشوش؛ حيث

انخدع بدرجة نجاح وهميَّة لم يحصل بهــا على ثقافة ولا علم ،

ليس له مــن الثقافة والعلم سوى بطاقة يحمل بها شهادة زيف

لا حقيقة ، وإذا بحثت معه في أدنى مسألة مِمّا تنبئ عنه هذه

البطاقة لم تحصل منه على علم .

إن تمكين الطالب مــــن الغش أو تلقينه الجواب بتصرح أو تلميح

ظلم للمجتمع وهضم لحقه حيث تكون ثقافة المجتمع ثقافة مهلهلة

يظهر فشلها عند دخول ميادين السباق ويبقى مجتمعنا دائمًا فــي

تأخّر وفي حاجة إلى غيرنا وذلك لأن من المعلوم المجرّب الواقع

أن مَن نجح عن طريق الغش لا يمكن إذا رجع الأمر إلى اختياره

أن يدخل مجال التعليم والتثقيف؛ لأنه يعلم أنه فاشل فيه .

وإن تمكين الطالب مــن الغش كما يكون خيانة وظلمًا من الناحية

العلمية والتقديرية كذلك يكون خيانة وظلمًا من الناحية التربوية؛

لأن الطالب إذا مارس الغش صار مستسيغًا له وصار الغش هيّنًا

في نفسه فيتربّى عليه ويربّي عليه أجيال المستقبل ( ومن سن

فى الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من

عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شىء ) (3) .

إن عـلى المراقب أن لا يـراعـــي شريفًا لشرفه ولا قريبًا لقرابته

ولا غنيًّا لماله ولا أديبًا لأدبه ، إن عليه أن يراقب الله الذي يعلم

خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، إن عليه أن يؤدي الأمانة

كما تحمّلها ؛ لأنه مسؤول عنها يوم القيامة .

ولربمــا يقــول مراقب : إذا أدّيت واجب المراقبة إلى جنب مَن

يضيّع ذلك فقد أرى المضايقات ؟

فجوابنا عليـه أن نقــول : اتَّقِ الله فيما وُلّيت عليه واقرأ قول الله

تعـالى { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } ، وقـوله تعالى { وَمَن

يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } ، وقولـــه تعالى { فَاصْبِرْ إِنَّ

الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } ، حتى وإن فارقك هؤلاء المهملون الغاشّون

فلا يهمنّك أمرهم ، إنما الذي يهم هو أداء الأمانة .

أيها المسلمون إن الاختبارات حكم حين التصحيح فإن المعلّم الذي

يقدّر درجات أجوبة الطلبة ويقدّر درجات سلوكهم هـو حاكم بينهم

في الواقع؛ لأنه أجوبتهم بين يديه بمنزلة حُجَج الخصوم بين يدي

القاضي فـإذا أعطى طالبًا درجات أكثر مِمّا يستحق فمعنى ذلك أنه

حكَم لــه بالفضل على غيره مع قصوره وهذا جور في الحكم وإذا

كان هـذا الأستاذ الذي يعطي مَن شاء ويحرم مَن شاء إذا كـــــان

هــو بنفسه لو حُرمَ ابنه من درجات لا يستحقها أو قُدم على ابنه

أحدٌ دونه أهو يرضى بذلك ؟ إنه لن يرضى بهذا، فكيف يرضى

لنفسه أن يقدم على أولاد الناس مَن هو دونهم !

أيهــا الإخـــوة ، إن من الأساتذة مَن لا يتقي الله في تقدير درجات

الطلبة فيُعطي أحدهم ما لا يستحق ؛ إمـــا لأنه ابن صديقه أو ابن

قريبه أو ابن شخص ذي شرف أو مــــال أو رئاسة ويمنع بعــض

الطلاب ما يستحق إما لعداوة بينه وبين الطالب أو بينه وبين أبي

الطالب أو لغير ذلك من الأسباب وهذا كله خلاف العدل الذي أمر

الله بـه ورسولـــه ، فإقامة العدل واجبة بكل حال على مَن تحب

ومَن لا تحب ، فمَن استحق شيئًا وجب إعطاؤه إياه ومَن

لا يستحق شيئًا وجبَ حرمانه إياه … .

إن العدل – أيهــــا الإخوة – لا يجــوز أن يضيع بيــن عاطفة الحب

وعاصفة البغــض ، يقـــول الله عـــزَّ وجـــل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ

كُــونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } أي :

لا يحملنّكــم بغـض قوم { عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى

وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، ويقـــول جــــلَّ ذكــــــره

{ وَأَقْسِطُوا } أي : اعدلوا { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، ويــقـول

تعــالـى { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً } والقاسطون هم :

الجائرون وهم من حطب جهنم ، المقسطون هم : العادلون وهـم

من أحباب الله ، وفي الحديث الصحيح عـن النبي صلى الله عليه

وعـلى آله وسلـم أنه قال ( إن المقسطين عند الله على منابر من

نور عــن يمين الرحمن عـز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون

فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ) (4) وقال صلى الله عليه وسلم:

( أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم

رقيق القلب لكل ذى قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال)(5)

فاتَّقوا الله – عباد الله – و { كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ

وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } .

وفَّقني الله وإياكم لأداء الأمانة والحكم بالعدل والاستقامة، وثبَّتني

وإياكم على الهدى وجنَّبنا أسباب الهلاك الردى؛ إنه جوادٌ كريم .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد

وعلى آله وصحبه أجمعين .

المصدر موقع الشيخ محمد العثيمين ( بتصرف )

(1) أخرجه مسلم في صحيحه ( ك الإيمان ، ب قول النبي "من غشنا

فليس منا " ، ص 65 / ح 164 ) من حديث أبي هريرة

(2) أخرجه البخاري في صحيحه ( ك الإكراه ، ب يمين الرجل لصاحبه

ص 1327 / ح 6952 ) من حديث أنس .

(3) أخرجه مسلم في صحيحه ( ك العلم ، ب من سن سنة حسنة أو
سيئة … ، ص 1443 / ح 1017 ) من حديث جرير بن عبد الله

(4) أخرجه مسلم في صحيحه ( ك الإمارة ، ب فضيلة الإمام العادل

وعقوبة الجائر … ، ص 1015 / ح 1827 ) من حديث زهير

(5) أخرجه مسلم ( ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب الصفات التى

يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ص 1532 / ح 2865 )

من حديث عياض بن حمار المجاشعى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أزهار عبدالرحمن أزهار عبدالرحمن فتكات هايلة Fatakat 495394 … – ..

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.