حكم الخروج على الحاكم ولو كان ظالم؟

إدارة القسم الاسلامي
برجاء قراءة آراء العلماء في الخروج على الحاكم هنا

#23

****************************************
حكم الخروج على الحاكم اولا الدليل من الكتاب والسنه:
قَالَ تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[، سورة النِّسَاءِ آية (59). وفي الصَّحِيحِ عَنِ النبي r، أنه قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عصى الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي". وَعَنْ أبي ذَرٍّ tقَالَ: "إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ"، وَعِنْدَ البخاري: "وَلَوْ لِحَبَشِي كَأَنَّ رَأْسَه زَبِيبَة". وَفي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: "على الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَة فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِه، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَة، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَة فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَة". وَعَنْ حُذَيْفَة بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنهما قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله rعَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُه عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّة وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرّ ؟، قَالَ:نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ:نَعَمْ، وفيه دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُه؟، قَالَ:قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟، قَالَ:نَعَمْ، دُعَاة على أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوه فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، صِفْهُمْ لَنَا؟، قَالَ:نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَرَى إِذَا أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟، قَالَ:تَلْزَمُ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَة وَلَا إِمَامٌ؟، قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ على أَصْلِ شَجَرَة، حتى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ على ذَلِكَ، (2) رواه البخاري و مسلم واللفظ له. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: "مَنْ رأى مِنْ أَمِيرِه شَيْئًا يَكْرَهُه فَلْيَصْبِرْ، فإنه مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة شِبْرًا فَمَاتَ، فَمِيتَته جَاهِلِيَّة". وفي رِوَايَة: "فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَة الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِه". وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي tقَالَ: قَالَ رَسُولُ الله r: "إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخرَ مِنْهُمَا". وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ tعَنْ رَسُولِ الله rقَالَ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصلاة، أَلَا مَنْ وَلِي عليه وَالٍ، فَرَآه يأتي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَة الله، فَلْيَكْرَه مَا يأتي مِنْ مَعْصِيَة الله، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة".
فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ والسنة على وُجُوبِ طَاعَة أُولِي الْأَمْرِ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَة، فَتَأَمَّلْ قوله I: ]أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[، كَيْفَ قَالَ: ]وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[، وَلَمْ يَقُلْ: ]وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[؛ لِأَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَا يُفْرَدُونَ بِالطَّاعَة، بَلْ يُطَاعُونَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله r. وَأَعَادَ الْفِعْلَ مَعَ الرَّسُولِ rللدلالة على أن مَنْ أطِاعِ الرَّسُولَ rفَقَدْ أَطَاعَ الله، فَإِنَّ الرَّسُولَ rلَا يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، بَلْ هُوَ مَعْصُومٌ في ذَلِكَ، وَأَمَّا وَلِي الْأَمْرِ فَقَدْ يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، فَلَا يُطَاعُ إِلَّا فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله r. وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا، فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ، بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الْأُجُورِ، فَإِنَّ الله Iمَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَعَلَيْنَا الِاجْتِهَادُ بالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَة وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ. قَالَ تعالى: ]وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[، وَقَالَ I: ]أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ[، وَقَالَ I: ]مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[. ]وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[. فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّة أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ. فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ.ثانيا :قال صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية:
قال الطحاوي رحمه الله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)
هذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفَاً للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛ يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه كما سيأتي.
فقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)، (وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة، هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، هاهنا مسائل:
المسألة الأولى:
لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة:
فولي الأمر العام يعني ولي الأمر للأمة للناس يُطْلَقُ عليه ولي الأمر، ويُطْلَقُ عليه إمام. أما ولي الأمر فقد جاء في الكتاب: قال الله I: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[، النساء 59، وسُمُّوا وُلَاةَ الأمر؛ لأنَّ ما يَنْفُذُ من الأمور الشرعية والأمور الاجتهادية في الناس إنما يكون عن أَمْرِهِمْ، فالأمر راجع إليهم. فإذاً ولي الأمر هو من بيده الأمر والنهي أو بالعُرْفْ المعاصر القرار الذي يَنْفُذُ في الناس، وهذا جاء في السنة في عددٍ من الأحاديث كما جاء في الآية بتسمية الحكام بولاة الأمور.
أما لفظ الأئمة فولي الأمر هو الإمام، ومن ولَّاهُ الله أمر الناس وابتلاه بذلك فيُسَمَّى إماماً؛ لأنه يُؤْتَمْ بأمره ونهيه وقراره وما يختاره اجتهاداً للأمة. ولفظ الأمام لولي الأمر جاء في السنة في قول النبي r: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"، رواه مسلم، وهذا ظاهر في تسمية ولي الأمر إماماً.
المسألة الثانية:
الأصل أنَّ ولي الأمر يجمع ما بين:
* حسن التدبير في أمور الناس العامة، في أمور دنياهم وما يُصْلِحُهُمْ وما يحفظ بيضتهم ويدفع عنهم الأعداء.
* العلم بأحكام الشريعة بما يناسب، ولا يُشْتَرَطُ فيه أن يكون الأعلم كما هو مبسوط في مكانه في كتب الفقه.
واجتمعت الصفتان في الخلفاء الراشدين الأربعة وفي معاوية رضي الله عنهم وفي عددٍ من الأئمة وولاة الأمور في التاريخ إلى الآن. ولكن ربما لم يجتمع في ولي الأمر الصفتان فحينئِذْ يكون ما يُشْكِلُ على الناس في أمر دينهم فَمَرْجِعُهُم فيه إلى أهل العلم بالدين، وما يكون من قبيل الأمر العام للناس فإنه يكون لولي الأمر العام، وولي الأمر العام يستشير ويأخذ بقول أهل العلم فيما يرى أن يستشيرهم فيه.
وهذا المَأْخَذْ هو وجه قول من قال: (إن ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء)؛ يعني كلاًّ فيما يخصه:
* الأمراء في الأمر العام، الأمر الدنيوي وما يُصْلِحُ الناس وما به تكون حياتهم.
* والعلماء فيما يكون من أمر الدين بما يأتون وما يذرون.
وهذا ليس هو الأصل، وإنما الأصل أنَّ ولي الأمر هو من يعلم، وهو الذي جاءت فيه الآيات ]وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[، وكذلك ]وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[، النساء:83؛ لأنَّ الأصل اجتماع الصفتين في ولي الأمر. فإذا لم تجتمع الصفتان أُعْطِيَ ولي الأمر الذي بيده الأمر والنهي حق الإمام، وفي المسائل الدينية يُسْتَفْتَى ويُسْأَلْ أهل العلم.
ولهذا اجتنب كثير من العلماء بل أكثر العلماء والأئمة أن يُطْلِقُوا على العالم ولي الأمر؛ لأجل أن يكون هناك افتئات وخروج، ولأجل أن لا يكون هناك مأخذ لمن يريد الخروج على الإمام أو ولي الأمر.
ومنهم من استعمل هذا وهذا؛ يعني أنَّ الأمور الدينية يُرجَعُ فيها إلى من يلي الأمر الديني، وهم العلماء في أمور الفتوى وفيما يأتي المرء ويذر فيما بينه وبين ربه I، وفي الأمور العامة فتكون لولاة الأمور.
المسألة الثالثة:
الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف من المنتسبين إلى القبلة، منهم الخوارج والمعتزلة، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والذي عليه الصحابة جميعاً رضي الله عنهم وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.
والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواتراً معنوياً، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.
فإذاً أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي t؛ بل قبل ذلك على عثمان t،وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.
وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهاداً في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواتراً معنوياً مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
ومِنْ أهل العلم من قال تَوَسُّعَاً في اللفظ (الخروج على الولاة كان مذهباً لبعض السلف قديم، ثم لما رُئِيَ أنَّهُ ما أَتَى للأمَّة إلا بالشر والفساد فأجمعت أئمة الإسلام على تحريمه وعلى الإنكار على من فعله) كما قاله الحافظ ابن حجر، وهذا فيه تَوَسُّعْ؛ لأنَّهُ لا يقال في مثل هذا الأمر أنه مذهب لبعض السلف، وإنما يُقَالُ إنَّ بعض السلف اجتهدوا في هذه المسائل من التابعين كما أنه يوجد مِنَ التابعين من ذهب إلى القَدَرْ والقول المنافي للسّنة في القَدَرْ، ومن ذهب إلى الإرجاء، ومن ذَهَبَ إلى إثبات أشياء لم تَثْبُتْ في النصوص، فكذلك في مسألة طاعة ولاة الأمور فربما وُجِدَ منهم الشيء الذي الدليل بخلافه، والعبرة بما دَلَّتْ عليه الأدلة لا باجتهاد من اجتهد وأخطأ في ذلك.
المسألة الرّابعة:
هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي رحمه الله دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:
أ) أمّا القرآن فمنه:
*قول الله I: ]مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ[، النساء:80، ووجه الدلالة منه أنّ النّبي rقال: "من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني"، رواهالبخاري ومسلم.
* وقوله Iأيضا: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[، النساء:59، قال ابن القيم رحمه الله وقاله غيره أيضاً: (لفظ ]أَطِيعُوا[جاء في طاعة الله وطاعة رسوله r؛ يعني الأمر بالفعل ]أَطِيعُوا[ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل ]أَطِيعُوا[، فقال: ]أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله r، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله r، يعني أَمَرَ بمعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالاً؛ ولأنَّ طاعة رسوله rتجب استقلالاً، وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعَاً لا استقلالاً؛ لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي rعلى سرية وقال لهم: "أطيعوه"، فأجَّجَ ناراً وأمر الناس أن يقتحموها، فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار، يعني بالإيمان والإسلام، فأخبروا رسول الله rبذلك، فقال r: "أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها"، رواه البخاري ومسلم؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله I، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
* وقوله I: ]يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[، ص:26، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله Iأَمَرَ داوود r، وفي أَمْرِهِ أَمْرٌ لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد، فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة:
* قول النبي r: "من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني" رواه مسلم.
* وقوله r: "على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" رواه مسلم.
* وقوله r: "إنما الطاعة في المعروف" البخاري و مسلم، يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.
* وقوله r: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يداً من طاعة" روه مسلم.
* وقوله r: "من خَلَعَ يَدًا من طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يوم الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ له وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".
* وقوله r: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، فقيل له: أفلا نقاتلهم؟، قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة"، رواه مسلم.
* وقوله r: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر"، رواه البخاري ومسلم.
والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جداً وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملاً وإما اعتقاداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.
المسألة الخامسة:
الخروج على ولي الأمر يكون بشيئين:
* الصورة الأولى: عدم البَيْعَةْ واعتقاد وجوب الخروج عليه أو تسويغ الخروج عليه. وهذا هو الذي كان السلف يطعنون فيمن ذهب إليه بقولهم (كان يرى السيف)؛ يعني اعتقاداً ولم يُبَايِعْ.
* الصورة الثانية: وهي المقصودة بالأصالة أنهم الذين يخرجون على الإمام بسيوفهم، يعني يَخْرُجْ على الإمام ويجتمعون في مكان ويريدون خلع الإمام وتبديله، أو إحداث فتنة بها يُقْتَلْ ولي الأمر أو يُزال أو نحو ذلك؛ يعني الخروج بالعمل عليه سعياً في قتله أو إزالته.
والخروج على هذا: يكون بالاعتقاد، ويكون بالعمل.
* الصورة الثالثة: التي أدخلها بعض أهل العلم فيها وهي الخروج بالقول؛ لأنَّ ولي الأمر يكون الخروج عليه بالقول، فهذه لا تَنْضَبِطْ؛ لأنَّ الخروج بالقول قد يكون خروجاً وقد لا يكون خروجاً، يعني أنه قد يقول كلاماً يؤدي إلى الخروج فيكون سعياً في الخروج، وقد يقول كلاماً هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يوصِلُ إلى الخروج ولا يُحْدِثُ فتنة في الناس، وهذا لا يدخل فيه. ولهذا من أدخل من أهل العلم الخروج بالقول في صور الخروج، فإنَّ الخروج بالقول فيه تفصيل، لا يُطْلَقْ القول بأنه ليس بخروج ولا أنَّهُ خروج.
ومعاوية رضي الله عنه قتل بعض الصحابة لما خَرَجُوا على أميرهم بالقول فعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ زِيَادًا أَطَالَ الْخُطْبَةَ، فَقَالَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ t: الصَّلاَةُ، فَمَضَى فِي خُطْبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: الصَّلاَةُ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْحَصَى، وَضَرَبَ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْحَصَى، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ كَتَبَ فِيهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ: أَنْ سَرِّحْ بِهِ إِلَيَّ فَسَرَّحَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا؟، إِنِّي لاَ أُقِيلُكَ، وَلاَ أَسْتَقِيلُكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ"، رواه الحاكم، وابن أبي شيبة، وابن عبد البر في التمهيد، وهذا اسْتُدِلَّ به على أنَّ فعل معاوية tمَصِيْرٌ منه إلى أنَّ الخروج يكون بالقول، وتُنَزَّلْ على هذا الأحاديث. وهذا الاستدلال محل نظر وليس بجيد؛ بل معاوية tفعل ذلك تعزيراً وله اجتهاده في هذا الأمر.
فإذاً نقول الذي عليه أهل العلم في تقرير العقائد أنَّ الخروج يكون في صورتين:
* الصورة الأولى: عدم البيعة واعتقاد جواز الخروج أو تسويغه أو وجوبه؛ يعني على ولي الأمر المسلم.
* الصورة الثانية: السعي باليد بالسيف بالسلاح على ولي الأمر.
أمَّا بالقول فهذه فيها تفصيل فقد تكون وقد لا تكون.
المسألة السادسة:
الخروج على الولاة والأئمة له أسباب، ولم يَخْرُجْ أحَدْ إلا وله في خروجه تأويلات وأسباب:
1) فالخروج على عثمان tالذي أدى إلى مقتله tكان بسبب التصرفات المالية لعثمان tوتوليته قَرَابَتَهُ، فَتَجَمَّع الخوارج ممن يدينون بالخروج منكرين هذا الأمر متأولين، فخرجوا عليه حتى قتلوه tفي قصة مبكية حتى إنَّهُ tلم يُدْفَنْ إلا ليلاً وتَبِعَهُ ثلاثة أو أربعة وصُلِّيَ عليه سِرَّاً، ثم أُخِذَ ليلاً على النعش بسرعة ولم يُدْفَنْ في البقيع وإنما في حائط، يعني في بستان قريب من البقيع، حتى لا يُعْرَفْ أنه دُفِنْ، حتى جاء في الرِّواية أنهم كانوا من سرعة مسيرهم به قالوا نسمع رأسه يضرب في نعشه من شدة السير به خشية أن تصل أيدي الخوارج إليه. وهذا بسبب التأويل في المال عندهم، يعني تَأَوَلُوا خروجهم بالرغبة في الصلاح في الأمور المالية، وكذلك في مسائل التولية ونحو ذلك. وأجْمَعَ الصحابة رضوان الله عليهم على تصويب عثمان tوعلى مُعَاداةِ هؤلاء، رضي الله عن الصحابة أجمعين وخَذَلَ من خالف سبيلهم إلى يوم الدين.
2) رُؤْيَةِ المرء ما يكره: في نفسه أو في بلده أو في مجتمعه بعامة، ما يكرَهُهُ ديناً أو ما يكرَهُهُ دُنْيَاً. وهذا السّبب في رؤية المرء ما يكرهه قد يكون معه عدم صبر فيُؤَدِيهِ إلى الانتصار مُتَأوّلَاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون آخذاً بالخروج أو خارجاً فعلاً.
وهذه المسألة وهي مسألة رؤية ما يكره المرء في الدين أو في الدنيا أعْظَمُهَا ما حَصَلَ في عهد الإمام أحمد رحمه الله حيث رأى ورأى أئمة الحديث ما يكرهون في أعظم مسألة وهي مسألة خلق القرآن؛ حيث دُعِيَ الناس إلى القول بخلق القرآن الذي هو الكفر، وأُلْزِمُوا بذلك حتى وقع بعض الأئمة الكبار في الإجابة خشيَةً من بعض مسائل الدنيا.
والإمام أحمد لما قيل له بالخروج نفض يديه وقال: إياكم والدماء، وأَخَذَ بقول النبي t: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر". (شيئا يكرهه) هذه عامة لأنها جاءت في سياق الشرط، وهذه تعمّ الكراهة الدينية والكراهة الدنيوية، فأَمَرَ بالصبر، والصبر معناه لزوم الطاعة وعدم الخروج.
وكذلك ما دلَّ عليه الحديث الآخر: "من رأى أميره يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدا من طاعة
والنصوص الدالة على وجوب الطاعة بالمعروف وتحريم نكث البيعة ونحو ذلك تدلُّ على عدم اعتبار هذا السبب سبباً للخروج، وهو أَنْ يَرَى ما يَكْرَهُهُ ديناً أو ما يكرهه دنياً، إلا أن يرى كُفْراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، كما جاء في الحديث قال: أفلا ننابذهم؟ أو قال: أفلا نخرج عليهم؟ قال r: "لا إلا أَنْ تَرَوا كُفْرَاً بُوَاحاً عندكم من الله فيه برهان" رواه البخاري ومسلم.
والعلماء في هذا الحديث لهم قولان:
القول الأول:
أنه عند رؤية الكفر البواح فإنه يَجِبُ الخروج، وإذا قالوا يَجِبْ؛ فمعناه أنَّ أخذ العدة والوسيلة فإنها تجب وجوب وسائل للمقاصد. وهذا قول طائفة من أهل العلم متفرقين في شروحهم للأحاديث.
القول الثاني:
أنَّ هذا يجوز ولا يجب؛ بل الصبر أولى إلا إذا كان تغيير هذا الولي الذي كَفَرَ ليس فيه مفسدة من سفك الدماء.
المسألة السابعة:
الأئمة وولاة الأمور طاعتهم مِنْ طاعة الله Iومِنْ طاعة رسوله r، فطاعة المؤمن لهم في المعروف عبادة وقُرْبَةْ؛ لأنَّ النبي rجعل طاعتهم من طاعته حِفْظَاً لبيضة هذه الأمة وجمعاً للكلمة وقوةً لها على أعدائها. والعلماء ذكروا أنَّ تصرفات ولاة الأمور من حيث التنظير على أحد أنحاء:
الأول: أن يأمروا بالطاعة، أن يأمروا بشيءٍ فيه طاعة، يأمروا الناس بإقامة الصلاة، يأمروا الناس بإيتاء الزكاة، يأمروا الناس بأداءْ الحقِّ الشرعي بعامَّة، ينهون الناس عن المحرمات، يقيمون الحدود، يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر ونحو ذلك مما هو مَعْلُومٌ الأمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو معلومٌ النهي عنه نهي تحريم أو كراهة في الشَّريعة.
الثاني: أن يأمروا بأَمْرٍ اجتهادي لهم فيه اجتهاد، وهذا الاجتهاد إما أنْ يكون عن خلافٍ شرعي واختاروا أحد الأقوال أو أحد الرأيين أو أحد الوجهتين، أو اجتهادهم كان مبنياً في مسائل حادثة لا يَعْلَمُ الناس لها الحُكْمْ، أو لم يُرَاد أن تُبْحَثْ مثل المسائل الدنيوية والمسائل العامة التي تجري في الناس.
الثالث: أن يأمروا بمعصية الله I.
* أما الأول فإن طاعتهم في ذلك واجبة بالإجماع وطاعتهم في ذلك من طاعة الله Iوطاعة رسوله r.
* والثاني: وهي المسائل الاجتهادية فإنَّ ولي الأمر إذا ذَهَبَ إلى أحد الأقوال في المسألة واجتهد، أو اجتهد في المسألة اجتهاداً له لا يُخَالِفُ مُجْمَعَاً عليه، فإنَّ طاعته في ذلك متعينة أيضاً إذا كان متعلقاً بالأمة بعامة.
فالمسائل الاجتهادية داخلة في عموم الأحاديث التي فيها الطاعة في المعروف؛ لأنَّ طاعة الأمير في المعروف التي جاء فيها الدليل، إنَّما الطاعة في المعروف تشمل الصورتين: الصورة الأولى والصورة الثانية لأن الاجتهاد مُعتبرٌ شرعاً.
* الثالث: وهي أن يأمر بمعصية الله I، فالأمر بالمعصية قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً، وعلى كلٍّ فلا تجوز طاعته فيما فيه معصيةٍ لله I؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقْ في معصية الخالق لقوله r: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره إلا أن يؤمر بمعصية".
فإذاً الأدلة التي فيها الأمْرْ بطاعة ولي الأمر، أو التي فيها بيان الطاعة، إنما الطاعة في المعروف، تُفْهَمُ معاً ولا يُضْرَبُ بعضها ببعض؛ يعني أنَّ ولي الأمر يطاع إلا في المعصية.
المسألة الثامنة:
قوله في آخر الكلام (وَإِنْ جَارُوا) هذا فيه تَبْيِينْ لأَصْلِ المسألة أنَّ الطاعة لا تُتَقَيَّدْ بأنها لولي الأمر العدل؛ يعني للعادل من الأئمة أو للتقي من الأئمة أو لمن يسير في كل الشرع من ولاة الأمر؛ بل وإن كان منه جَوْرْ فإنه يُطَاع.
والجَوْرْ يكون في صورتين:
الصورة الأولى: جورٌ في الدين.
الصورة الثانية: جورٌ في الدنيا.
والجَورْ في الدين ضابطه أن لا يَصِلَ فيه إلى الكفر.
والجَورْ في الدنيا يطاع فيه حتى ولو أخذ مالك وضرب ظهرك، كما صح عنه r أنه قال: "أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك" رواه مسلم.
ومن أهل العلم من فَرَّقَ بين ولاة العدل وولاة الجور في الطاعة، فقال:
* ولي الأمر ذو العدل يطاع مُطْلَقَاً إلا في المعصية.
* وأما ولي الأمر بالجور فإنه لا يُطَاع إلا فيما يُعْلَمُ أنه طاعة، أما إذا لم نعلم أنه طاعة قال فلا يُطَاعْ.
وهذا الكلام وإن كان منسوباً إلى بعض كبار أهل العلم المتقدمين؛ لكنه في مقابلة النصوص، ومُخَالِفٌ لإطلاق الأئمة في هذه المسائل.
والتفريق بين إمام العدل وإمام الجور له أصلٌ من كلام الأئمة؛ لكن في غير هذه الصورة.
فهم فَرَّقُوا ما بين إمام العدل وإمام الجور في صورة الأمر بالقتل أو بالاعتداء، فإنه إذا كان يُعْلَمْ أنَّ جوره في قتل من لا يستحق القتل فإنَّهُ إذا أَمَرَ أحداً أن يقتل فلاناً، قالوا: لا تتعين عليه الطاعة؛ لأنَّه قد يكون قَتْلُهُ ظُلْمَاً إذا لم يَسْتَبِنْ له أنه مستحقٌّ للقتل، وهذا يكون في أزمنة الفِتَنْ ونحو ذلك والعِدَاءات، يقول: أُقْتُلْ فلانَاً، ولا يسأل.
فهنا فَرَّقَ طائفة من الأئمة المتقدمين ما بين إمام العدل وإمام الجور، قالوا: إمام العدل لا يُسْأَلْ، وأما إمام العدل فَيُتَحَرَى إذا كان يُعْرَفْ أنَّهُ يسفك الدماء فإنه لا يَقْتُلُ أحداً إلا إذا استبان له أنه مستحقٌ للقتل.
* والذي يظهر في هذه المسألة ويتعيّن الأخذ به أن يُعمَلْ بِمُطْلَقَاتْ الأدلة؛ لأنَّ المسائل إذا اشتبهت وجَبَ الرجوع -خاصة في مسائل العقيدة- وجب الرجوع إلى ظاهر الدليل، ولا يَسُوغْ لأحد مخالفة ظاهر الدليل فيما أجمع العلماء على جَعْلِهِ عقيدة، وهي مسألة الخروج على الولاة وطاعة ولاة الأمر.
فحينئِذْ دلّتْ الأدلة على ما ذكرنا من أنَّ ولي الأمر يُطاع في الطاعة ويُطَاعُ في المسائل الاجتهادية، ولا يطاع في صورة -صورة واحدة-؛ وهي أن يأمر بمعصية الله Iفلا سَمْع ولا طاعة.
ويكون إذاً الجور ليس سبباً في الخروج -سواء كان جوراً في الدين أو كان جوراً في الدنيا-؛ بل أكثر ما يكون الخروج بسبب الجَوْرِ في الدنيا، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج أهل السنة قال: أكثر تأويل من خَرَجْ بسبب جور بعض الولاة في أمور الدنيا.
فإذاً قوله هنا (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) يعني به أنّ عقيدة السلف الصالح أن يُسْمَعَ ويُطَاعْ ولي الأمر، ويحافظ على البيعة، ولا يخرج المرء ولا يَلْقَى الله وليس له حجة بنزع اليد من الطاعة، ومهما كان الذي رآه إذا لم يَرَ الكفر البَوَاحْ الذي فيه من الله برهان.
قال الطّحاوي رحمه الله بعدها (وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ)
ش: يريد أنَّ هَدْيَ السّلف الصالح وأئمة الإسلام أنَّهُمْ لا يَدْعُونَ على ولي الأمر والأئمة؛ لأنّ الدعاء عليهم سِيْمَا أهل الخروج وسِيمَا الذين يرون السيف إما اعتقاداً أو عملاً.
وهدي السلف الصالح أنهم يدعون لهم ولا يدعون عليهم؛ لأنَّ بالدعاء لهم الصلاح والمعافاة كما سيأتي، وفي الدعاء عليهم توطين القلوب على بُغْضِهِمْ وهو سَبَبٌ من أسباب اعتقاد الخروج عليهم والوسائل لها أحكام المقاصد، فكما أنَّ المقصد وهو الخروج واعتقاد الخروج ممنوع عند الأئمة في عقائدهم، فكذلك وسيلته في القلوب هي الدعاء عليهم لأنه يُحْدِثُ البغض لهم والبغض يؤدي إلى الخروج عليهم.
وهذه تَضُمُّهَا إلى قوله في آخر الجملة (وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) يعني أنَّ هدي السلف وأئمة الإسلام في عقيدتهم أنَّهُ كما أنَّا لا ندعو عليهم فإننا لا نسكت؛ بل ندعو لهم بالصلاح والمعافاة. والدعاء لولي الأمر بالصلاح دعاءٌ للأمَّةْ في الواقع؛ لأنَّ صلاحه صلاح للناس.
(وَالْمُعَافَاةِ) يعني أن يُعَافيه الله Iمما ابتلاه به أو مما أَجْرَاهُ في رعيته من الأمور المخالفة للدين.
والدعاء بالصلاح والمعافاة والتوفيق لولاة الأمر أنَّهُ هو الهدي الماضي وهو الذي يوافق الأصول الشرعية.
وقد قال جمع من الأئمة منهم الفضيل بن عياض ومنهم الإمام أحمد وجماعة: (لو كان لنا دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان)(1).
وقد نصّ البربهاري رحمه الله في كتابه شرح أصول السنة على أنَّ (من سيما أهل البدع الدعاء على ولاة الأمور ومن سيما أهل السنة الدعاء لولاة الأمور). فهذه المسألة التي ذكرها الطحاوي هنا مقررة في كتب الأئمة تقريراً مستفيضاً.
*قال رحمه الله (وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ I فَرِيضَةً)
يريد أنَّ أهل السنة لا ينزعون اليد من طاعة ولي الأمر. وذَكَرَ اليد لأنها وسيلة البيعة؛ لأنَّ البيعة تكون بصفقة اليد، وهذه هي بيعة أهل الحل والعقد بأن يبايع يداً بيد، وبيعة الناس تكون بمبايعة أهل الحل والعقد أو بمبايعة بعض المؤمنين لولي الأمر.
(ولا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ) يعني بعد البيعة باليد؛ لأنَّ هذا سيما الخوارج.
(وَنَرَى طَاعَتَهُمْ) طاعة ولي الأمر في غير المعصية من طاعة الله Iفريضة واجب ما لم يأمروا بمعصية، وهذه الجملة مُقَرَّرَة فيما سلف وواضحة في دلالتها.
جعلنا الله وإياكم من المتبعين للسنة والجماعة المُهَيَّئِيْنَ لذلك إنه سبحانه جواد كريم.
الأسئلة:
س/ ما ضابط الكفر البواح؟
ج/الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، الذي عليه دليل، يعني واضح بَيِّنْ، وبعض أهل العلم قال أنه ترك الصلاة، أنه ما يأمر بالصلاة، وينهى عنها، مثل ما جاء في الحديث: "ما أقاموا فيكم الصلاة"، ففهموا حديث الكفر البواح بإقامة الصلاة، وآخرون قالوا: لا، ما يشترط إقام الصلاة، الكفر البواح هو إذا حصل منه كفر عندنا من الله فيه برهان وليس له شبهة فيه ولا تأويل. نُخْرِجْ منه صورة المأمون وأمثاله في عهد الإمام أحمد؛ لأنه كانت عندهم بنوع تأويل، أطاعوا بعض العلماء في هذه المسألة، وواضح في الحديث: "عندكم فيه من الله برهان" يعني شيء مجمع عليه واضح.
س2/إن قال قائل إنَّ معاوية خرج على علي رضي الله عنهما ؟
ج/لا، هو ما دخل في البيعة أصلا.
س3/ فإن قيل إنَّ البيعة ثبتت لعلي؟
ج/ثبتت لعلي من أهل المدينة، وأهل الشام قالوا ما نبايعك حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان؛ لأنَّ قتلة عثمان صاروا جيش علي، يعني الخوارج الذين قتلوا عثمان أجبروا علي أنه يخرج وخرج، علي tاجتهد وصارت البيعة له وأهل الحل والعقد في المدينة. فمعاوية tقال: لا، ما نبايع حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان، ويرى معاوية أنه هو ولي الدّم ]وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا[، يقول أنا وليه، أنا ولي دم عثمان أنا أقرب الناس إليه، سَلِّمْ لي القتلة كي أقتلهم، فعلي tخشي إن سلمهم تصير فتنة أعظم، فأراد أنه يجتمع هو وإياه وسار إليه على أساس يجتمع معه ويبحث معه إلى آخره، فاجتمع معاوية، نقلوا له طبعاً الخوارج أنَّ هذا علي سار بجيشه فسار يخشى أنه يباغته، ثم لما اجتمعوا هذا في جهة وهذا في جهة، وقَصْدْ معاوية tخير أنه يبحث مع علي وقصد علي tخير أنه يبحث مع معاوية، حَرَّكْ الخوارج الحرب بين الجهتين ووقعت وقعة صفِّين، هم الذين حركوها من تحت، لا الصحابة يريدون، وقعت بغير اختيارهم.

ام محمد السراج ام محمد السراج images/avatars/yellowflower.jpg ممنوعة من المشاركة Fatakat 906962 جرجا – سوهاج

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.